الصفحة الرئيسية  أخبار عالميّة

أخبار عالميّة في عهد ماكرون: مشروع قانون يجرّم انتقاد اسرائيل

نشر في  01 أفريل 2026  (14:21)

هل باتت معاداة الصهيونية أحد تجليات معاداة السامية؟ وهل يتخذ معادو السامية من الصهيونية ستاراً للتعبير عن عنصريتهم؟ أسئلة تؤرق الرأي العام الفرنسي منذ سنوات من دون أن ينجح الجدل الأكاديمي والسياسي في حسمها. وتيرة هذا الجدل تصاعدت منذ 7 أكتوبر 2023، مع انزلاق المشهد السياسي الفرنسي إلى سباق محموم لإظهار الدعم غير المشروط لإسرائيل.

النائبة عن حزب النهضة الحاكم كارولين يادان أقدمت على خطوة غير مفاجئة، إذ تقدمت في 19 نوفمبر 2024 باقتراح قانون “لمكافحة الأشكال المتجددة لمعاداة السامية”. اقتراح أقرته لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية في 20 كانون الثاني 2026، بانتظار مناقشته في جلسة عامة.

المقصود بـ”الأشكال المتجددة”، وفق الصيغة الأصلية للنص، هي معاداة الصهيونية لينطوي بذلك اقتراح القانون بنسخته الأصلية على أربعة محاور: 

أولاً، تعديل المادة 421-2-5 من قانون العقوبات، التي تنص بصيغتها الحالية على السجن من 5 إلى 7 سنوات، وعلى غرامة مالية تتراوح بين 75000 و100000 يورو لكل من يحرض بشكل مباشر على ارتكاب أعمال إرهابية أو يمجّدها. يادان طالبت بتوسيع نطاق التجريم ليشمل التحريض “المباشر وغير المباشر”.

ثانياً، طالبت يادان بمعاقبة كل دعوة إلى تدمير دولة أو إنكار وجودها. ثالثاً، سعت إلى منح الجمعيات الفرنسية الناشطة في مجال مكافحة العنصرية، حق الادعاء كطرف مدني ضد المطالبين بتدمير دولة أو إنكار وجودها. أخيراً، يهدف النص الأصلي إلى توسيع نطاق تطبيق عقوبة إنكار المحرقة لتطاول كل من يقارن إسرائيل بالنظام النازي. وفقاً ليادان، تشكل هذه المقارنة استخفافاً بالمحرقة، ما يفرض تعديل مواد في قانون حرية الصحافة بما ينسجم مع نصّها.

لمنح مبادرتها ما يلزم من “الشرعية”، استندت يادان إلى جملة من الحجج روّجت لها في المطالعة السياسية التي تضمنها نصها أو عبر إطلالاتها الإعلامية. أبرز ما تناولته يادان هو الأرقام الرسمية الدالة على ارتفاع الاعتداءات ذات الطابع المعادي للسامية، داخل فرنسا، منذ هجمات 7 أكتوبر. كما شدّدت يادان على أن معاداة السامية باتت تتخذ أشكالاً جديدة في وقتنا الحالي. وفقا لهاً، الكراهية تجاه دولة إسرائيل ونزع الشرعية عنها والدعوات إلى إزالتها من الوجود ومقارنتها بالنازية، ليست سوى واجهة لإخفاء معاداة للسامية: فإسرائيل تعد أكبر تجمع لليهود في العالم، وتدميرها أو إزالتها من الوجود مرادف لإبادة اليهود، بحسب يادان، التي أضافت أن مقارنتها بالنازية تعد تبريراً لما يتعرض له الإسرائيليون.

علاوة على ذلك، استحضرت يادان تعريف معاداة السامية الصادر عن “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة”، والذي تبنته فرنسا في العام 2019 ويشمل من بين أمور أخرى: اتهام اليهود كشعب أو إسرائيل كدولة باختراع الهولوكوست أو بالمبالغة في أبعاده، إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير عبر الادعاء بأن وجود دولة إسرائيل مجرد اجتهاد عنصري، وما شابه ذلك، تطبيق معايير مزدوجة من خلال مطالبة إسرائيل بتصرفات غير متوقعة من أي دولة ديمقراطية أخرى، إلقاء مسؤولية جماعية على اليهود عن إجراءات تقوم بها إسرائيل.

كارولين يادان رأت في الفاصل الزمني بين تاريخ التقدم باقتراح القانون وتاريخ إقراره في لجنة القوانين، حرصاً على اعتماد نص لا يمس الحريات العامة. فالجمعية الوطنية أحالت اقتراح القانون إلى مجلس الدولة الفرنسي في ماي 2025، وقد تم الأخذ بملاحظاته خلال المناقشات.

النسخة التي أقرتها لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية، تضمنت تعديلات يمكن وصفها بالشكلية، ما أجّج المخاوف حياله: فاللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان سجلت اعتراضين اثنين. يتعلق الاعتراض الأول بالتعديل المقترح للمادة 421-2-5 من قانون العقوبات بعد استبدال عبارة “التحريض غير المباشر” بـ”التحريض الضمني”. استناداً إلى بيان اللجنة، هذا التعديل وما ينطوي عليه من ضبابية، يفتح الباب أمام “محاكمة النوايا” بما يتناقض مع المادتين 7 و8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومع توصيات واجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ويتعلق الاعتراض الثاني بتجريم دعوة “تدمير وإزالة أي دولة تحظى باعتراف الجمهورية الفرنسية”. ترى اللجنة في هذه المادة تقييداً للنقاش العام حول الملفات الجيوسياسية، ما يفضي إلى ردع “النقاشات المشروعة والصحية التي تشهدها الأنظمة الديمقراطية حول أهمية الاعتراف بدولة جديدة، أو شرعية الحكم الذي تتبناه الدولة، أو حتى الظروف التاريخية لإنشائها”.

لذا، طالبت اللجنة بإلغاء هذين المقترحين مذكِّرة بموقفها المتحفّظ أصلاً على تبنّي فرنسا تعريف معاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة.

ملاحظات اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان لم تمنع كارولين يادان من تحدّي معارضي مشروعها بالعثور على “كلمة واحدة تنتهك حرية التعبير”.

بالنظر إلى السياق السياسي الفرنسي منذ 7 أكتوبر، الذي يمتاز باستقطاب و”الإفراط” في التصدي لمعاداة السامية، تبدو الاعتراضات على اقتراح القانون مبرَّرة إلى حد كبير. تسود خشية في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية الفرنسية من تحويل هذا القانون إلى أداة لإسكات أي نقد موجه الى إسرائيل أو حتى لتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني، تحت عنوان التصدي لمعاداة السامية. وعليه تم التصويب على قانون يادان من أربعة محاور: تقييد الحريات، منح حصانة لإسرائيل، الإساءة الى اليهود وتأجيج معاداة السامية بدل مكافحتها.

وفقاً للرئيس الفخري لرابطة حقوق الأنسان، بيار تارتاكوفسكي، يقوم هذا القانون على خلط لثلاثة مفاهيم منفصلة: اليهودية، الصهيونية وإسرائيل.

نتيجة هذا الخلط، سيتحول أي انتقاد موجّه الى الحكومة الإسرائيلية إلى مدخل للملاحقة القضائية بذريعة استهدافه اليهود، ما يشكل مساساً بحرية التعبير في فرنسا.

مجموعة من “المواطنين والمواطنات من أصل يهودي، والمؤيّدين لسلام عادل ودائم يقوم على احترام حقوق الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني”، وقعت عريضة نشرتها صحيفة “ليبراسيون”. الموقعون اعتبروا انتقاد الصهيونية جزءاً من النقاش الديمقراطي، وأي خلط بين هذه الأيديولوجيا السياسية والديانة اليهودية يعد تقويضاً للحريات. موقف مماثل عبّر عنه عدد من النقابيين والناشطين الحقوقيين الفرنسيين من خلال عريضة نشرتها صحيفة “لومانيتيه” تحت عنوان: “في مواجهة معاداة السامية، لا غنى عن حرية التعبير”.

الباحثان الفرنسيان جان كريستوف أتياس وإستير بينباسا تناولا من جهتهما الضرر الذي سيلحق بالحريات الأكاديمية. برأي أتياس وبينباسا، يهدف قانون يادان إلى “اصطياد الكلمات” لينعكس بذلك سلباً على الأكاديميين والصحافيين الذين يتناولون “معاناة الفلسطينيين التي تتسبّب بها إسرائيل”. 

وكالات